أبو علي سينا
68
التعليقات
صورة متبوعة ، فإن الصورة سبب لتلك الكيفية وكذلك الكيفيات تبطل للتضاد بينها ، والصور لا تضاد بينها كالحرارة في النار يبطلها البرودة في الماء ، لكنها إذا بطلت البرودة عن المادة بطل معها صورة الماء ، وهذه الكيفية ، أعنى الحرارة تعد المادة لأن تخلع تلك الصورة ، أي صورة الماء . كل شئ يكون بالفعل سمى صورة . ولذلك سميت الصور الجسمانية صورا لأنها تقيم الأجسام بالفعل . الهيولى لا يحصل لها كل ما هي مستعدة له معا ، لأن بعض ذلك يعوقها عن بعض ، وبعضها سبب له في أن يستعد لبعض . [ علة المركبات ] الأشياء المركبة لما كانت علتها هذه الكيفيات ، أعنى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، فإن المزاج يحدث من تفاعلها فواجب فيه أن يبطل وينتقض المزاج من بطلان الكيفيات ، إذ هي علة لها . وأما الأشياء البسيطة فلا علة لها وتلك الكيفية التي فيها كالنار مثلا ليس علتها الحرارة التي فيها لأنها كيفية تابعة لصورتها ، وإذا بطلت الحرارة بطل معها صورة النار ولا تعرف علتها . [ علة حصول المحسوسات ] حصول المحسوسات في الحواس إنما يكون السبب فيه استعداد الحواس له فإن أيدينا مثلا إنما تحس بالحرارة وتتأثر عنها للاستعداد الذي هو فيها ، والبصر إنما يجعل فيه صور المبصر للاستعداد الذي هو فيه ، والسمع إنما يحدث فيه الصوت للاستعداد الذي هو فيه ، وليس للحواس إلا الإحساس فقط ، وهو حصول صورة المحسوس فيها فأما أن نعلم أن ( 22 ب ) للمحسوس وجودا من خارج فهو للعقل أو الوهم . والدليل على ذلك أن المجنون مثلا لا يحصل في حسّه المشترك صور يراها فيه ، ولا يكون لها وجود من خارج ويقول ما هذه المبصرات التي أراها ، لكن لما لم يكن له عقل غيرها ويعلم أن لا وجود لها من خارج توهم أنها بالحقيقة مرئية ، وكذلك النائم يرى عند منامه في حسه المشترك أشياء لا حقيقة لها وسبب ذلك حصول تلك الصور في حسه المشترك ، فيتخيل له أنه يراها بالحقيقة ، وذلك لغيبة العقل عن تدبرها ومعرفتها . وكذلك إذا تأثرت أيدينا مثلا عن حرارة فأحست بها لا يكون لها إلا الإحساس بها . فأما أن نعلم أن هذه الحرارة لا بد من أن تكون في جسم حار فإنما ذلك للعقل ، وكذلك إذا حملت شيئا ثقيلا فإنما تحس بالثقل وتنفعل عن الثقل ، والنفس أو الوهم يحكم بأن هذا الثقل لا بد من أن يكون في جسم الشئ لا يتأثر عن شبيهه ، كالحار لا يتأثر عن حار مثله ، فكذلك الجسم لا يتأثر عن الجسم ، بل إنما ينفعل الشيء عن مضادّه كالبارد ينفعل عن الحار . وإذا أحسّت أيدينا مثلا بحرارة مجاورة لحرارتها زائدة عليها أحسّت وتأثرت عنها